الحدث:
أوضحت مصادر أن وزارة الدفاع السورية تعمل على إنشاء خمسة (أو ستة حسب بعض التقارير) فيالق إقليمية رئيسية تغطي كامل الأراضي السورية، بحيث يتبع لكل فيلق فرقتان أو أكثر، مع إعادة توزيع الألوية والوحدات القتالية وفق اعتبارات جغرافية وعملياتية، بعيداً عن الخلفيات الفصائلية التي حكمت توزيع القوى خلال السنوات الماضية. وفي هذا السياق، جاء تعيين محمد حسين الجاسم، المعروف بأبو عمشة، نائبًا لقائد فيلق المنطقة الوسطى، بالتزامن مع تنحيته عن قيادة الفرقة 62 وإعادة توزيع عدد من قادة الفرق وإعادة توزيعهم في مواقع داخل قيادات الفيالق وهيئات الأركان والإدارات المركزية.
الرأي:
تشهد المؤسسة العسكرية السورية منذ سقوط النظام سلسلة من التحولات التنظيمية المتلاحقة، بدأت باستيعاب عشرات التشكيلات المسلحة ضمن وزارة الدفاع، قبل أن تنتقل إلى مراحل أكثر تعقيداً شملت التجنيد وتقييم الضباط وإعادة توزيع القيادات وصولاً إلى مشروع الفيالق الخمسة.
وخلال الفترة الماضية أُدمجت كثير من الفصائل شكلياً داخل الجيش السوري، لكنها احتفظت بسلاسل قيادتها الداخلية، الأمر الذي أبقى القيادة العسكرية مجزأة، وأضعف قدرة وزارة الدفاع على فرض إدارة موحدة. لذا تعدّ التغييرات الأخيرة مشروعاً سياسياً وأمنياً يهدف إلى إنهاء تعدد مراكز القرار داخل المؤسسة العسكرية، وترسيخ مبدأ احتكار الدولة للقرار العسكري، بعد مرحلة كان فيها السلاح موحداً شكلياً، بينما بقيت آليات القيادة متأثرة بالخلفيات الفصائلية.
ولا تبدو أهمية الفيالق مرتبطة بإعادة توزيع الوحدات فقط، بل أيضاً بإعادة تشكيل هرم القيادة، فالقادة المرشحون لقيادة الفيالق الخمسة ينتمون في معظمهم إلى الدائرة العسكرية التي تشكلت داخل "هيئة تحرير الشام". وفي المقابل، فإن معظم التغييرات التي شهدتها الأشهر الأخيرة طالت شخصيات قادمة من فصائل وتشكيلات كانت خارج "هيئة تحرير الشام" أو لم تندمج معها بصورة كاملة خلال السنوات السابقة. أي أن إنهاء الفصائلية لا يعني بالضرورة بناء مؤسسة عسكرية محايدة أو مهنية بالكامل؛ فقد تنجح دمشق في تفكيك استقلال فصائل الجيش الوطني وغيرها، لكنها في الوقت ذاته ربما تتجه لبناء الجيش حول هيمنة النواة العسكرية السابقة لهيئة تحرير الشام.
وتبدو الظروف الحالية أكثر ملاءمة لوزارة الدفاع للمضي في تقليص استقلال التشكيلات الفصائلية، خاصة مع تحوّل جزء من الدعم الإقليمي من الفصائل إلى مؤسسات الدولة، لكن نجاح المشروع ليس محسومًا؛ إذ لا تزال بعض القيادات تحتفظ بشبكات عسكرية ومحلية متماسكة. ولذلك يرجح أن تعتمد دمشق على إعادة توزيع القادة وتفكيك ارتباطهم بوحداتهم وإبعاد المعترضين عن القيادة الميدانية تدريجيًا، بدل الدخول في مواجهة مباشرة معهم.