الحدث
أمر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والأجهزة العدلية والأمنية المختصة، للتحقيق في غارة جوية استهدفت صباح السبت 10 أكتوبر منجماً للذهب قرب الحدود السودانية المصرية. وقالت مجموعة "محامو الطوارئ" إن الغارة قتلت 72 عامل تعدين على الأقل، واتهمت سلاح الجو المصري بتنفيذها، بينما تحدثت "شبكة أطباء السودان" في حصيلة أولية عن 13 قتيلاً و28 جريحاً. ووصف مستشار "البرهان" للعلاقات الخارجية، أمجد فريد، الهجوم بأنه "جريمة غير مبررة"، مؤكداً أن ضبط الحدود لا يبرر قصف المواطنين.
في المقابل، لم تعلّق القاهرة رسمياً على الاتهام، فيما أعلن المتحدث العسكري المصري، العقيد أحمد عثمان، استمرار المرحلة الثالثة من حملة مكافحة التعدين غير الشرعي في الصحراء الشرقية، محذراً من "الشائعات المغرضة والأجندات الخارجية" التي تستهدف العلاقة بين البلدين.
الرأي
يأتي الحادث بعد أسبوع من قمة "العلمين" التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، وأكدت دعم وحدة السودان ومؤسساته ورفض الكيانات الموازية، كما يأتي بعد غارة مماثلة في يونيو الماضي على منطقة "جبل العقيدات" أودت بحياة 23 عاملاً، لم تتبنّها القاهرة، لكنها أعلنت حينها عملية واسعة ضد التعدين غير الشرعي داخل أراضيها، فيما تقع المنطقة في محيط مثلث "حلايب" المتنازع عليه.
وفي حسابات الخرطوم، يجد "البرهان" نفسه بين ضغطين متعاكسين: غضب داخلي يطالب بموقف حازم إزاء مقتل مواطنين سودانيين، وحاجة استراتيجية إلى القاهرة، أبرز حلفاء الجيش في الحرب ضد قوات "الدعم السريع" وفي مواجهة الضغوط الأمريكية والإثيوبية. ولذلك جاء الرد في صيغة لجنة تحقيق بلا سقف زمني، مع امتناع رسمي عن تسمية الجهة المنفذة، وترك لغة الإدانة لمستشار رئاسي على منصة "إكس". أما القاهرة، فتنطلق من اعتبار الحدود المنفلتة البالغ طولها نحو 1200 كيلومتر تهديداً أمنياً مباشراً، ومساراً لتهريب الذهب والبشر والسلاح، في ظل حرب حوّلت الذهب إلى مصدر تمويل رئيسي للطرفين.
إلى ذلك، يكشف الحادث أن انهيار سلطة الدولة في المناطق الحدودية، حيث يعمل أكثر من مليوني سوداني في التعدين الأهلي، بات يفتح الباب أمام تدخل أمني من دول الجوار حتى الحليفة منها. ويكشف أيضاً أن التحالف السياسي المعلن في "العلمين" لا يقابله حتى الآن تنسيق أمني فعلي على الحدود، على الأرجح نتيجة ضعف قدرات السودان على ضبط الحدود في الظروف الراهنة.
لكن في المقابل، من المرجح ألا تؤثر الحادثة على علاقة الجيش السوداني بالقاهرة، وأن يحرص الطرفان على احتواء الحادث عبر القنوات الرسمية، وأن تتأخر نتائج لجنة التحقيق أو تصدر بصيغة عامة لا تحمّل جهة بعينها المسؤولية. وبصورة عامة، مازال من المرجّح أن تتجه العاصمتان إلى آلية تنسيق أمني حدودية لضبط مناطق التعدين، لكنّ كفاءة ذلك ستظل محدودة في ظل محدودية قدرات الخرطوم.