المصدر: ستراتيجي إنترناشيونال
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
عقب الصراع بين "إسرائيل" والولايات المتحدة وبين إيران لم يعد السؤال: "من القوة الإقليمية التي تهيمن على النظام والمنظومة الإقليميين؟"بل تحوّل إلى: "أي دولة تؤدي أي وظيفة في النظام الإقليمي؟" ويبدو أن المنطقة تتجه نحو تطوير نظام إقليمي وظيفي تستمد فيه الدول نفوذها من شَغل أدوار لا غنى عنها، بدلًا من ممارسة هيمنة شاملة. ولن يتمثل التحدي الرئيسي للعقد المقبل في تحقيق التوازن بين القوى الدولية الراسخة، بل في إدارة بيئة إقليمية تصبح فيها العلاقات أكثر أهمية وفي الوقت نفسه أكثر صعوبة من حيث التوفيق بينها.
وفي ظل هذا الشرق الأوسط الذي يزداد تفتتًا سيكون النفوذ الأقل للدول التي تختار جانبًا معينًا، والنفوذ الأكبر لتلك القادرة على المناورة بين الأطراف المختلفة، لكن السؤال: إذا لم تعد المنطقة منتظمةً وفقًا للهرمية فما المبدأ الذي ينتظم عليه النظام الإقليمي الناشئ؟
خلال فترات مختلفةاعتُبرت مصر والعراق والسعودية وإيران وتركيا جميعها مرشحة لقيادة المنطقة، وكانت هذه الرؤية تفترض أن النظام والاستقرار والسياسة الإقليمية تعتمد على دولة واحدة وأن لها مركزًا محددًا. أما اليوم فإن هذا الافتراض تراجع بصورة كبيرة، في تحوّل يعكس تغييرات أوسع في النظام الدولي. فقد شهد الخليج تحوّلًا هيكليًا عميقًا منذ انتفاضات الربيع العربي عام 2011، متجهًا نحو نظام إقليمي متعدد المراكز. ومع تصاعد الصراعات اتسعت جغرافيا الأمن في الشرق الأوسط وأُعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة. ويحدد النظام الإقليمي الجديد عدة عوامل، من بينها:
· صمود "محور المقاومة".
· تغير الديناميات الأمريكية والخليجية.
· محورية القضية الفلسطينية.
· فراغ السلطة في سوريا.
· تعاظم أهمية القوى المتوسطة.
· ظهور تكتل إقليمي جديد.
وتضم المنطقة الآن المحور السعودي-الإماراتي والمسار القطري المستقل وعُمان والكويت بوصفهما وسيطين، وإيران باعتبارها قوة إقليمية دائمة، بينما تتحول السعودية إلى المركز السياسي للمنطقة؛ إذ تعمل بقوة على تحديد أجندتها السياسية، فيما تتحول الإمارات إلى دولة شبكية تربط الشرق الأوسط بالأسواق العالمية، ويؤكد خروجها من منظمة "أوبك" حالة التفتت الاقتصادي والسياسي على حد سواء؛ إذ يضعف آليات التنسيق التقليدية في أسواق الطاقة العالمية ويعقّد الجهود الرامية لإدارة تقلبات الأسعار.
ويستند نفوذ قطر إلى إمكانية الوصول والحفاظ على علاقات عملية مع دول وهيئات مختلفة، والاضطلاع بدور دبلوماسي فريد في الوساطة؛ إذ تُظهر الجهود الرامية لتحقيق التوازن بين المعسكرات المختلفة دبلوماسية التوجه نحو التعاملات والصفقات بدلًا من سياسة التكتلات.
على جانب آخر، تعتبر ليبيا ممرًا استراتيجيًا حيث تقع وسط تقاطع منظومات استراتيجية؛ مثل سياسة الهجرة الأوروبية والأمن في البحر المتوسط واستقرار شمال أفريقيا والنفوذ التركي والاستثمارات الإماراتية وصادرات الطاقة، بما يؤثر في التوازن الجيوسياسي للبحر المتوسط.
وإن كان نفوذ مصر يتذبذب اقتصاديًا لكنه يظل مهمًا من الناحية الهيكلية، بسبب قناة السويس والشرعية السياسية العربية وحجمها الديموغرافي وقدرتها العسكرية، فضلًا عن دورها في الوساطة بشأن غزة. أما دور تركيا فهو أكثر ارتباطًا بالمجال العسكري والتكنولوجي منه بالأيديولوجيا؛ حيث تتميز في مجالات الحرب والقدرات العسكرية خارج الحدود والوصول إلى البحر الأسود والربط مع منطقة القوقاز، إلى جانب الوساطة بين أوروبا وآسيا.
وأخيرًا، بالنسبة للدول الأفريقية فليست مجرد ساحات سلبية للصراع بل تستفيد من التنافس بين دول الخليج والقوى الدولية لتنويع شراكاتها وتوسيع نطاق استقلاليتها؛ حيث تعمل كل من السعودية والإمارات وتركيا وقطر وإيران على توسيع حضورها في السودان وليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل ومنطقة الساحل، ومن هنا تتضافر هذه الاستراتيجيات لإنتاج نظام إقليمي جديد.
من جهة أخرى، فإن المظلة الأمنية الأمريكية تواجه تساؤلات جديدة بشأن مصداقيتها والحماية التي توفرها؛ فقد كان جوهر النظام القديم قائمًا على صفقة بسيطة: قواعد عسكرية ومشتريات أسلحة مقابل مظلة حماية أمريكية فعالة. وقد اخترقت الحرب في فلسطين والحرب في إيران هذه القناعة وأضعفتها، وتغيّرت التصورات مع تحوّل الردع إلى أمر يبدو مشروطًا ومتنازعًا عليه، وربما مفرطًا في التمدد بين أوروبا والخليج ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
كما عادت الصين إلى الساحة مجددًا؛ حيث تستكشف دول الخليج الطائرات المسيّرة الصينية وأنظمة الصواريخ والتعاون الأمني، بالتوازي مع تعميق التكامل الاقتصادي من خلال الموانئ والطاقة والاستثمارات التكنولوجي، بينما يتمثل أحد الأبعاد الحاسمة للنظام الآخذ في التطور في العلاقة الثلاثية بين الصين والسعودية وإيران. أما روسيا التي تقيدها ساحات صراع أخرى لكنها مرتبطة بإيران، فتستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة ومن الفرص المتاحة للتنسيق مع طهران. فعلى المستويين العسكري والاقتصادي تلقت إيران ضربة استراتيجية لكن النظام، من الناحيتين السياسية والاستراتيجية، نجا وأظهر قدرته على إغلاق نقطة اختناق حيوية للطاقة، كما أظهر قدرته على فرض تكاليف على الجهات الفاعلة العالمية وعلى الجيوش المتفوقة.
أما "إسرائيل" فقد أثبتت الحرب فعالية قواتها عسكريًا لكن الهدف السياسي لم يتحقق بعد؛ فقد أثبتت طهران قدرتها على الصمود والحفاظ على موقعها في رقعة الشطرنج الدولية، وإذا بتل أبيب تخرج من هذه المرحلة بتحالفات أكثر عمقًا (مع حلفائها) لكن بفجوات أوسع (بين الأهداف العسكرية والسياسية).
ومن هنا، فإن الصورة الناشئة تعتبر ساحة متعددة الأقطاب ومتنازعًا عليها، تعمل فيها الأطراف على تنويع علاقاتها واستكشاف سبل تحقيق مكاسب في ظل حالة متزايدة من الضبابية، وتعكس تغيرات هيكلية عميقة على المستويين العالمي والإقليمي. ويعتبر الخليج أول منطقة تُبنى على القدرة التنافسية على الصمود؛ فهذه القدرة تتطلب التنوع والوحدات القابلة لإعادة التشكيل والتوزيع. وخلافًا لأنظمة توازن القوى التقليدية تتنافس دول الخليج بقوة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار والدبلوماسية، بينما تتعاون في الوقت نفسه للحفاظ على الاستقرار الإقليمي. ولم يعد التنافس والتعاون يمثلان ديناميكيتين متعارضتين بالضرورة، بل أصبحا مكونين متكاملين لنظام إقليمي أكثر مرونة.
وكان أحد الأبعاد الرئيسية لهذا التحول هو تفتت مجلس التعاون الخليجي؛ فقد كشفت أزمة حصار قطر عام 2017 أن عقلية الصراع الصفري أدت لتآكل المرونة البراغماتية التي كانت تسمح في السابق لمجلس التعاون الخليجي بإدارة خلافاته الداخلية. كما أظهرت دول الخليج الأصغر حجمًا قدرةً تنافسية ملحوظة على الصمود من خلال تبني استراتيجيات التحوط، رغم اختلاف مواقفها بدرجة كبيرة.
في السياق ذاته، يكمن أحد الأبعاد التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي في التحول نحو تعدد المراكز خارج الحدود التقليدية للشرق الأوسط نفسه؛ حيث أصبح البحر الأحمر والقرن الأفريقي، إلى جانب منطقة الساحل وأجزاء أخرى من أفريقيا، مكونات أساسية في التنافس الاستراتيجي الإقليمي. وتعمل كل من السعودية والإمارات وقطر وتركيا وإيران في الوقت نفسه على توسيع حضورها الدبلوماسي والاقتصادي والأمني في أنحاء القارة، من خلال الاستثمارات والبنية التحتية والموانئ ومبادرات الوساطة والتعاون العسكري.
وتعتبر التعددية القطبية الوظيفية، باعتبارها بنية النظام الإقليمي، هي التي تصف الهيكل الإقليمي الناشئ الذي تؤدي فيه دول متعددة وظائف استراتيجية متخصصة بدلًا من التنافس على الهيمنة الشاملة. أما القدرة التنافسية على الصمود فتفسر الآلية التي تسمح للدول بالتنافس دون تقويض الاستقرار الجماعي. ويعبّر التحوط القطاعي أو الوظيفي عن استراتيجية السياسة الخارجية التي تستخدمها القوى المتوسطة؛ حيث تحافظ الدول على شراكات متمايزة عبر القطاعات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويعكس التكامل العابر للأقاليم البعد الجغرافي من خلال ربط الشرق الأوسط وشرق المتوسط والبحر الأحمر وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ ضمن فضاء استراتيجي واحد. وتتجاوز هذه الأطر (المقترحة) مجرد تفسير تداعيات حرب واحدة هامشية؛ إذ توفر أساسًا لفهم الكيفية التي يعاد بها تنظيم المنطقة في عصر يستمد فيه النفوذ بصورة متزايدة من الترابط وإمكانية الوصول والقدرة على التكيف.
إن الشرق الأوسط الناشئ، الذي يتحدد بوصفه ساحة للتعاون الانتقائي والنفوذ المتمايز والسيادة الهجينة، يمثل تحولًا هيكليًا تدفعه عوامل عدة؛ منها ردع النفوذ الأمريكي وتفتت مجلس التعاون الخليجي وصعود القوى الآسيوية وتغير التكوينات. وقد تحولت ديناميكيات القوة في المنطقة نحو نظام عملي متعدد الاصطفافات تبني فيه الدول تحالفات تركز على قضايا محددة. ويتطلب هذا المشهد تجاوز السردية البسيطة القائمة على الفوضى وعدم الاستقرار؛ إذ تعطي الدول الأولوية لقدراتها الدفاعية وللترابط الإقليمي للحد من الاضطرابات الاقتصادية والتجارية، كما إن الأمن المستدام لا يمكن أن يعتمد على أطر تقليدية من أعلى إلى أسفل، بل يجب أن يتعامل مع التوازن المتغير بين التوسع "الإسرائيلي" والضغط الإيراني غير المتناظر.
ولم تُنشئ الحرب في فلسطين وتأثيراتها الممتدة إلى الأردن، إلى جانب الصراع بين "إسرائيل" والولايات المتحدة وبين إيران، هذا التحول بل عملت كنقطة تحول حاسمة أدت لتسريع اتجاهات كانت قائمة أصلًا، وأكدت التحول نحو بناء الاستقلالية الاستراتيجية والانتقال إلى التخصص الوظيفي وتعزيز الدبلوماسية متعددة الاتجاهات. وأصبح الشرق الأوسط مترابطًا وظيفيًا بصورة كبيرة لأن أي دولة لا تستطيع أداء جميع الأدوار الاستراتيجية المطلوبة للحفاظ على النظام الإقليمي؛ إذ يعتمد الاستقرار على تفاعل جهات إقليمية متخصصة تتكامل أدوارها وتتداخل وأحيانًا تتنافس فيما بينها.