الحدث:
استدعت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية القائم بالأعمال الإيراني، توفيق صمدي خوشخو، وأبلغته قرارها بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المُعيّن، محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصًا غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعد أقصاه 29 مارس/ آذار الجاري. وبالتوازي، استدعت وزارة الخارجية سفير لبنان في إيران، أحمد سويدان، للتشاور، وذلك على خلفية ما وصفته بانتهاك طهران لأعراف التعامل الدبلوماسي والأصول المرعية بين البلدين. وبررت وزارة الخارجية القرار بأنه "تدبير" بحق السفير لمخالفته أصول التعامل الدبلوماسي وتدخله في الشؤون الداخلية للبنان، مشيرةً إلى أن هذا الأمر لا يعني قطعاً للعلاقات الدبلوماسية مع ايران.
الرأي:
يشكل القرار تصعيدًا خطيرًا في مستوى العلاقة اللّبنانيّة -الإيرانيّة إذ وضع لبنان نفسه في عداء صريح وعلني مع إيران، بطرده سفيرها كأوّل دولة عربية تفعل ذلك، وهو يهدد بقطع أو تجميد العلاقة الدبلوماسية بين البلدين رغم أن الخارجية اللبنانية أكدت بأنه لا يعني ذلك. إلا أنه ليس هناك مجالاً للشك بأن قرار وزارة الخارجية جاء ضمن مسار اشتباك إقليمي متصاعد ضد إيران بدأت فيه بعض الدول الخليجية باتخاذ إجراءات بحق دبلوماسيين إيرانيين، وإن لم تبلغ مستوى ما أقدم عليه لبنان.
وقد أثار القرار غضبًا عارمًا في الساحة الشيعية، إذ طلبت حركة "أمل" و"حزب الله" والمجلس الإسلامي الشيعي من السفير الإيراني عدم الامتثال لقرار وزارة الخارجية، في حين اعتبر رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، هذه الخطوة "ضرورية" في ظل التطورات الحاصلة.
بالتوازي، يلبي القرار المطالب الإقليمية والدولية بإعادة ترتيب العلاقة بين بيروت وطهران على قاعدة إضعاف نفوذ "حزب الله، ويندرج كحلقة في سلسلة من الإجراءات والقرارات منذ اتفاق تشرين الثاني 2024 بدءًا من منع هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت، مرورًا بتفتيش الدبلوماسيين الإيرانيين وحقائبهم في المطار، وصولًا مع بداية الحرب الحالية إلى حظر نشاط الحرس الثوري على الأراضي اللبنانية وملاحقة عناصره وترحيلهم.
داخلياً، يهدد القرار بأزمة على عدة مستويات أولها المستوى الحكومي في ظل تضارب المعلومات حول كيفية اتخاذه، وهل جرى التنسيق بشأنه مع رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية الذي قال مقربون منه بأنه تفاجأ به، وهو ما يعني فتح الباب أمام أزمة سياسية وحكومية، لاسيما في ظل عدم تمكن الحكومة من تنفيذ القرار بعد طلب الثنائي بقاء السفير، أو حتى من التراجع عن القرار أمام الضغوطات الخارجية. من جهة أخرى، قد تصل الأمور إلى حد قلب الطاولة، إذ ألمحت الوزيرة المحسوبة على حركة أمل في الحكومة، تمارا الزين، إلى إمكانية انسحاب الوزراء، كما أن تصريحات مسؤولي "حزب الله" كنائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي ومسؤول وحدة التنسيق وفيق صفا عن الحكومة وموقفها من المقاومة ووجوب محاسبتها ليست ببعيدة.
على المستوى الشعبي، أخذ القرار منحى طائفياً في الوقت الذي يسود فيه الشارع أساسًا احتقان متصاعد على خلفية أزمة النزوح والحساسيات المناطقية والطائفية في أكثر من منطقة، وهو ما يرفع منسوب الضغط الداخلي وينذر بصدامات أو احتكاكات في الشارع لا سيما وأن وزير الخارجية يتبع حزب "القوات اللبنانية" ذي الخصومة السياسية مع "حزب الله" والنفوذ الإيراني في لبنان.
والجدير بالذكر أنه وفي تشرين الثاني من العام 1983، استدعى المدير العام لوزارة الخارجيّة يومها السفير فؤاد الترك القائم بالأعمال الإيراني وأمهله 72 ساعة للمغادرة، وعندها قامت جماعات شيعيّة باعتصام في أحد مساجد الضاحية الجنوبية، وأبقوا على السفير سنة ونصف لديهم، وبعد إسقاط "اتفاق 17 أيار" مع "إسرائيل"، قدّمت الخارجية الإيرانيّة أوراق اعتماد جديدة لسفير جديد.