المصدر: منبر القدس الاستراتيجي (JS Tribune)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
من أبرز القضايا الخلافية في خطة السلام الإيرانية ذات النقاط العشر التي استخدمها الطرفان الإيراني والأمريكي كنقطة انطلاق للمفاوضات، مطالبة إيران بالسيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم قدرها مليونا دولار على السفن العابرة للمضيق، على أن يتم تقاسم العائدات بينها وبين عُمان. فقد ردت إيران على الضربات الجوية الأمريكية و"الإسرائيلية" بتعطيل حركة الملاحة في المضيق من خلال إنشاء ما وُصف بـ"نظام كشك الرسوم"؛ حيث لا يمكن للسفن التجارية العبور إلا بعد دفع مبالغ للجمهورية الإسلامية.
ونظرًا للدور المحوري الذي تلعبه مسألة السيطرة على المضيق في المفاوضات، فمن المهم بحث السوابق التاريخية المماثلة؛ فقد أشار تقرير أممي عام 2024 إلى أن الحوثيين كانوا يحققون نحو 180 مليون دولار شهريًا تدفعها شركات الشحن لتجنب الهجمات في البحر الأحمر، رغم أن الأمم المتحدة لم تتمكن من تأكيد هذا الرقم. وقد مارس قراصنة البربر بين القرنين الـ16والـ19 أنشطة مشابهة باستهداف السفن التجارية قبالة سواحل المتوسط، لكنها كانت ممارسات خارج إطار القانون الدولي وقوبلت بردود فعل دولية قوية بما فيها تدخلات عسكرية أمريكية.
لكن المقارنة الأقرب نسبيًا هي "اتفاقية مونترو" عام 1936، التي نظمت سلطة تركيا القانونية على مضيقي البوسفور والدردنيل؛ فبينما تضمن الاتفاقية حرية مرور السفن في زمن السلم، فإنها تمنح تركيا الحق في إغلاق المضائق أمام السفن الحربية الأجنبية في أوقات الحرب. لكن هذا النموذج يختلف عن حالة هرمز؛ فالمضائق التركية تقع بالكامل ضمن السيادة التركية، بينما يشترك في مضيق هرمز كل من إيران وعُمان. كما إن الاتفاقية لا تسمح لتركيا بمنع السفن التجارية إلا إذا كانت تابعة لدول في حالة حرب معها، في حين تسعى إيران لامتلاك سلطة أوسع لرفض عبور السفن المدنية من أي دولة.
وقد تستند إيران نظريًا إلى"اتفاقية مونترو" لتبرير فرض رسوم في مضيق هرمز، لكن تركيا لا تفرض رسومًا إلا مقابل خدمات محددة مثل الإرشاد الملاحي وليس مقابل العبور ذاته. أما الرسوم الإيرانية المقترحة فهي مقابل "المرور الآمن"، وهو تبرير ضعيف نظرًا لأن إيران نفسها تعتبر مصدر التهديد الرئيسي للسفن في المنطقة، فضلًا عن محدودية قدرة قواتها البحرية على حماية السفن من ضربات جوية خارجية. أما المثال المعاصر الآخر، وهو فرض روسيا رسومًا على المرور في الممر البحري الشمالي، فيرتبط بتغطية تكاليف كاسحات الجليد وهو ما يجعله مختلفًا عن مضيق هرمز.
وللعثور على سابقة تاريخية أقرب ينبغي الرجوع إلى عام 1429، حين فرضت الدنمارك رسومًا على السفن العابرة لمضيق أوريسند؛ فقد كانت السفن التي ترفض الدفع تتعرض للتفتيش أو إطلاق النار. واستمرت هذه الرسوم حتى عام 1857 عندما أُلغيت بموجب "اتفاقية كوبنهاجن" التي اعتبرت المضائق الدنماركية ممرات دولية. ومن اللافت أن الدنمارك حصلت على تعويضات كبيرة مقابل تخليها عن هذه الرسوم، وهو ما قد يشبه استراتيجية إيران الحالية باستخدام سيطرتها الفعلية على المضيق كورقة تفاوض لانتزاع تنازلات كبيرة.
لكن نجاح أو فشل خطة "كشك الرسوم" الإيرانية لا يعتمد فقط على المفاوضات مع الولايات المتحدة، بل على موقف عُمان أيضًا، الشريك الآخر في المضيق؛ فإما أن تتنازل الأخيرة عن جزء من سيادتها أو تسمح لإيران بإدارة المضيق أو تشاركها في فرض الرسوم. وحتى الآن، لم تُبدِ مسقط أي استعداد لقبول هذا الطرح بل أكدت معارضتها لفرض الرسوم مع استمرارها في لعب دور الوسيط.
وحتى لو وافقت الولايات المتحدة وعُمان على سيطرة إيران، فإن معارضة الدول الإقليمية الأخرى قد تؤدي لاستمرار النزاع حول المضيق؛ فقد أيد مجلس التعاون الخليجي مؤخرًا قرارًا أمميًا يدعم حرية الملاحة في المضيق. كما إن "إسرائيل" قد تواصل عملياتها العسكرية إذا رأت أن سيطرة إيران ستساعدها على إعادة بناء قدراتها.
ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بإيران خلال الحرب فإن سيطرتها على المضيق منحتها ورقة قوة جيوسياسية مهمة. ورغم أن محاولتها تحويل المضيق إلى "كشك رسوم" دائم تعتبر غير قانونية وغير مسبوقة، فإنها توفر لطهران نفوذًا تفاوضيًا كبيرًا. ومع ذلك، يظل مستقبل هذه السيطرة غير مؤكد، وسيكون عاملًا حاسمًا في تحديد إرث الصراع وتشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة لسنوات قادمة.