جدل داخل "إسرائيل" حول العلاقات مع مصر.. الكيان قلق على مصالحه المشتركة مع نظام "السيسي"

الساعة : 10:59
11 يونيو 2026
جدل داخل

المصدر: معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

أثارت المناورة العسكرية المصرية الأخيرة التي أجريت في سيناء خلال أبريل/ نيسان الماضي، جدلًا واسعًا في وسائل الإعلام والأوساط البحثية "الإسرائيلية" حول نوايا مصر، رغم تنسيقها مسبقًا. ويعكس هذا النقاش قلقًا تجاه الموقف العسكري المصري وفجوات كبيرة بين القاهرة و"تل أبيب" حول مجموعة من القضايا، بدءًا من موقف مصر من الحرب ضد إيران وصولًا إلى اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال. وعلى الصعيد الاستراتيجي، يتمحور السؤال الرئيسي حول علاقة مصر بالتحالف الناشئ الذي يضم كلًّا من تركيا وباكستان والسعودية؛ فرغم أن هذا المعسكر "السني" يبدو أنه يتشكل كرد فعل على إيران ووكلائها الشيعة، فلدى "إسرائيل" أسباب تدفعها للنظر إليه بقلق كبير، لا سيما إذا انضمت إليه مصر في نهاية المطاف. في الوقت نفسه، ما زال يُنظر إلى نظام "السيسي" كشريك في مكافحة "التطرف الإسلامي"، وكجزء من التحالف الإقليمي الموالي للولايات المتحدة.

ويُعتبر تجدد التركيز "الإسرائيلي" على مصر أمرًا بالغ الأهمية، فغالبًا ما تُهمّش القضية المصرية وسط الأحداث المتسارعة في المنطقة، لكن مصر تمتلك جيشًا نظاميًا كبيرًا وقوة جوية قوية وبحرية متطورة، وموقعًا جيوسياسيًا ومكانة دبلوماسية تُضفي مزيدًا من الأهمية على علاقتها بـ"إسرائيل"، وبالتالي فهناك تداعيات خطيرة لأي تدهور في العلاقات إذا تفاقمت الشكوك المتبادلة. لذلك تحتاج "إسرائيل" لسياسة دقيقة ومتوازنة تُراعي مطلبين أساسيين؛ الاستجابة الأمنية للمخاوف المشروعة، وتحديد مجالات التقارب والمصالح المشتركة التي تعزز معاهدة السلام.

وعلى المدى البعيد، فإن تعزيز القوات "الإسرائيلية"، ينبغي أن يأخذ في الحسبان القوة المصرية (برًا وجوًا وبحرًا) كعامل خطر، وإن لم تكن تُصنّف بعدُ على أنها "تهديد"، بل حتى في غياب أي نية عدوانية حالية. ويجب على "إسرائيل" الحفاظ على وضعها الرادع في هذا السياق، كما ينبغي لأجهزة الاستخبارات مراقبة مصر عن كثب وإعطاؤها الأولوية في متطلبات جمع المعلومات، مع الاهتمام الخاص بالمعلومات الاستخباراتية. لكن في الوقت نفسه، إذا بالغت "إسرائيل" في شكوكها فستُفسّر القاهرة ذلك بالمثل، وستؤدي هذه الحلقة المفرغة إلى تضييق هامش الحوار.

وقد أشارت زيارة "السيسي" للإمارات إلى أن مصر تحافظ على حرية تحركها، وأنها ليست مصممة على التحالف مع تركيا، وأنها ترى ضرورة للمساهمة في الرد على إيران. كما يمكن أن تجد كل من مصر و"إسرائيل" أرضية مشتركة بشأن حماس، نظرًا لعلاقاتها بجماعة "الإخوان المسلمين"، بشرط ألا تسعى "إسرائيل" إلى "حلول" تدفع سكان غزة إلى عبور الحدود.

مصادر القلق.. القوة المصرية كعامل خطر

لقد تجاوز الوجود العسكري المصري في سيناء الحدود التي حددها الملحق العسكري لمعاهدة السلام لعام 1979، وهو ما تبرره القاهرة بالحاجة المُلحة لمحاربة التنظيمات "الإرهابية"، وعلى رأسها "ولاية سيناء". ورغم أن هذا تم بعلم "إسرائيل" وبالتنسيق معها، ورغم أن القوات ليست مُنظمة في تشكيلات قتالية بما يمثل حملة ضد الجيش "الإسرائيلي"، لكنه لا يتناسب مع متطلبات مكافحة "الإرهاب". وهناك مؤشرات أخرى على بناء بنية تحتية تسمح للقوات الجوية المصرية بالانتشار في قواعد أمامية إضافية في سيناء في حالات الطوارئ.

إضافةً لذلك، فقد شهدت قدرات النقل العسكري وشبكة الطرق في سيناء تحسنًا ملحوظًا، لذلك تُحذّر أصوات في "تل أبيب" من أن هذه التطورات تُشير إلى نوايا مصرية للعودة إلى الحرب مع "إسرائيل" يومًا ما. ويكمن القلق في القوة الشاملة للجيش المصري الذي يُواصل تسليح نفسه، مستخدمًا أموال المساعدات العسكرية الأمريكية، فضلًا عن عمليات شراء من موردين مختلفين على طرفي النقيض الجيوسياسي؛ فرنسا وألمانيا إضافةً إلى روسيا والصين. وبغض النظر عن اعتبارات المكانة العسكرية والوضع المؤسسي، فإن التهديد الأساسي الذي يُستخدم لتبرير عمليات الشراء بهذا الحجم هو الجيش "الإسرائيلي"، كما يتضح من المناورات على مستوى هيئة الأركان العامة.

لذلك فإن الحذر والمتابعة الاستخباراتية الدقيقة أمران ضروريان؛ فعلى المسؤولين في المستويات السياسية والدفاعية والأمنية التعامل مع القدرات العسكرية المصرية بجميع أبعادها كعامل مهم في معادلات حشد القوات في الجيش "الإسرائيلي"، وينبغي التعامل مع هذا الأمر على أنه "خطر مرجعي". وإذا أوضحت "إسرائيل" أنها لا تنوي الإضرار بأمن مصر أو تهجير سكان غزة إليها، فإن ذلك سيعزز الردع، وهو عامل لعب دورًا منذ البداية في قرار مصر بالسعي إلى السلام.

نقاط الخلاف والتوجّه الاستراتيجي المصر ي

إن تجدد النقاش حول أهداف مصر يعكس عدة قضايا برزت فيها اختلافات جوهرية بين البلدين خلال الحرب مع إيران، وفي سياق التطورات الإقليمية الأوسع نطاقًا:

1-     على غرار العديد من الدول العربية بل والدول الأوروبية أيضًا، اتخذت مصر موقفًا متشددًا إزاء سلوك "إسرائيل" في حرب قطاع غزة ولبنان، وانضمت إلى التحركات لإدانة "إسرائيل" على الساحة الدولية، كما أنها تقود جامعة الدول العربية في هذا الصدد.

2-     تشعر القاهرة بقلق إزاء تراجع دورها التقليدي كوسيط بين "إسرائيل" وغزة، خصوصًا مع تولي قطر هذا الدور بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات، رغم أن "إسرائيل" نفسها أصرت عام 2014 على أن تكون مصر هي الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذه الجهود.

3-     أثار اعتراف "إسرائيل" باستقلال أرض الصومال استياء مصر؛ فسرعان ما أكدت القاهرة دعمها لوحدة الصومال، وفي ظل أزمة السد مع إثيوبيا رأت في هذه الخطوة توافقًا مع مصالح خصمها.

4-     تمحور الخلاف الأهم حول الحرب ضد إيران؛ حيث بدت مصر وكأنها تسعى للعب دور الوسيط، محافظةً على قنوات اتصال مع طهران، أو على الأقل مع وزير خارجيتها، مع النأي بنفسها عن الحرب وأهدافها.

بشكل أوسع، خلقت الرسائل الدبلوماسية المصرية خلال الحرب وبعدها انطباعًا بأن القاهرة ربما تقترب من تحالف إقليمي يجمع بين المكانة الدبلوماسية والقوة العسكرية التقليدية (تركيا)، والأسلحة النووية (باكستان)، والموارد الاقتصادية الهائلة (السعودية)، وهو تحالف وصفه البعض بأنه "حلف ناتو إسلامي" أو "المحور السني"، وقد يكون لانضمام مصر المحتمل إلى هذا الإطار تداعيات استراتيجية بعيدة المدى. وفي ظل القيادة التركية ينبغي أن يثير ذلك قلق "إسرائيل"، لكن لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر كأمر واقع أو حتى كاتجاه حتمي؛ فقد أثبتت مصر مؤخرًا حرصها على الحفاظ على استقلالها، ولا تزال متشككة في أهداف "أردوغان" رغم مبادرات الصداقة التي أبداها خلال زيارته لمصر في شباط/ فبراير 2026، ولديها ما يبرر ذلك.

مجالات التقارب مع "إسرائيل" وأهمية زيارة السيسي إلى "الإمارات"

رغم نقاط الخلاف ما زالت مصر و"إسرائيل" تتفقان في مجالات هامة لا سيما في قطاع الطاقة؛ فقد أصبحت اتفاقية الغاز الأخيرة ركيزة استراتيجية طويلة الأمد للعلاقات بين البلدين؛ إذ عززت المصالح المشتركة في تحقيق الاستقرار في شرق المتوسط. وتزداد أهميتها كونها أُبرمت بعد أكثر من عامين من الحرب، رغم المعارضة الشعبية الشديدة للاتفاقية في مصر والتحفظات التجارية "الإسرائيلية".

وتتجلى مصلحة مشتركة أخرى في موقف مصر الحازم، بالتنسيق مع اليونان، ضد التحركات التشريعية التي اتخذتها أنقرة لإضفاء صفة قانونية ظاهرية على تفسير تركيا لقانون البحار، والذي قد يحرم جزرًا مثل رودس وكارباثوس وكريت من أي وضع قانوني في ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، ما يُمكّنها من المطالبة بالسيطرة حتى حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لليبيا. وبالنسبة لمصر، و"إسرائيل" أيضًا، ستكون النتيجة فقدان خط اتصال بحري مستمر مع اليونان وأوروبا، مما يجعلهما معتمدتين على حسن نية تركيا. والسؤال المطروح الآن هو: هل سيحاول "السيسي" استرضاء تركيا أم سيتخذ موقفًا حازمًا؟ وهو ما ستدعمه "إسرائيل".

في هذا الإطار، تشير زيارة "السيسي" للإمارات إلى تقارب آخر في المصالح؛ فخلال الزيارة تبين أن مصر نشرت طائرات مقاتلة من طراز "رافال" للمساعدة في الدفاع عن الإمارات، توازيًا مع نشر دفاعات صاروخية "إسرائيلية". وكان هذا حدثًا غير مألوف بحد ذاته؛ فقد تواجدت القدرات المصرية و"الإسرائيلية" "في نفس المنطقة"، وهذا يدل على أن مصر:

1-     مستعدة الآن للقيام بدورها في الدفاع ضد التهديد الإيراني.

2-     ترى الإماراتيين شركاء مهمين رغم، أو ربما بسبب علاقاتها المتوترة مع السعودية.

3-     تتصرف وهي تدرك أن الإمارات، إلى جانب الهند و"إسرائيل"، تنظر إلى ميزان القوى الإقليمي من منظور مختلف عن السعودية، مع الإشارة إلى أن الإمارات تدعم أرض الصومال واعتراف "إسرائيل" بها.

من جهة أخرى، ما زال نظام "السيسي" يمثل ركيزة سياسية وأيديولوجية في مواجهة قوى الإسلام السياسي في المنطقة بما فيها حماس. وهذا الواقع، إضافةً للوصول إلى طريق مسدود في اتصالات "ميلادينوف" مع حماس، يخلق إمكانية لرسم ملامح المصالح المشتركة مع مصر، والحفاظ على قناة اتصال سرية رفيعة المستوى وصياغة رسائل متبادلة لتهدئة التوترات.

والخلاصة، إن الحذر يحتم على "إسرائيل" الاستعداد والتأكد من أن تعزيز قواتها يراعي السيناريوهات القصوى، لكن الحكمة السياسية السليمة تقتضي منها أيضًا تجنب تضخيم الأمور أو المبالغة في التهديد؛ فثمة ما يدعو إلى الخوف من أن يؤدي نقاش عام أكثر صدامية حول نوايا مصر إلى إثارة الشكوك في القاهرة وتعميق التوترات المتبادلة، تحديدًا في الوقت الذي فُتحت فيه فرصة لتحديد مجالات التقارب مع مصر.