استشراف للأوضاع السياسية والعسكرية السودانية داخلياً وخارجيا بعد إرهاصات النصر على "الدعم السريع"

الساعة : 13:56
10 أغسطس 2026
استشراف للأوضاع السياسية والعسكرية السودانية داخلياً وخارجيا بعد إرهاصات النصر على

المصدر: معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط (MEMRI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

بعد وقت قصير من اندلاع الحرب الأهلية السودانية في أبريل/ نيسان 2023، ظهر عدد من ضباط الجيش ونشطاء إسلاميين (أو ضباط إسلاميين في الجيش) على قناة طيبة الفضائية التركية، معلنين أن الحرب ضد "قوات الدعم السريع" قد شارفت على الانتهاء أو أنها ستنتهي في غضون أسابيع أو بضعة أشهر. وكان هذا التباهي سابقًا لأوانه بكثير، بينما تعتبر الادعاءات الأخيرة بالنصر من جانب القوات المسلحة السودانية أكثر واقعية؛ إذ إنها تستند إلى الواقع المتغير لساحة المعركة. فبعدما بدا كأنه اختراق حاسم شمال كردفان أواخر يوليو/ تموز الماضي وعد رئيس أركان القوات المسلحة السودانية، الفريق ياسر العطا، بأنه لن يبقى أي مقاتل من "قوات الدعم السريع" أو مرتزقة أجانب على الأراضي السودانية بحلول نهاية العام.

على الأرض، يشهد السودان حاليًا موسم الأمطار الذي غالبًا ما يُبطئ وتيرة القتال، لكن القوات المسلحة لم تكتفِ بتحقيق تقدم كبير في كردفان بل أحبطت أيضًا مساعي "قوات الدعم السريع" لفتح جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق، وتسعى أيضًا لفتح جبهة جديدة في دارفور نفسها، آخر معاقل الدعم السريع الرئيسية.

وعندما قطع "العطا" هذا الوعد كان يُخاطب حشدًا من العرب المناهضين لقوات الدعم السريع في دارفور، بقيادة زعيم الجنجويد موسى هلال، والأهم من ذلك العميد السابق في قوات الدعم السريع، النور قبة، الذي انضم إلى صفوف الجيش في أبريل/ نيسان الماضي. وكان هذا الحضور بمثابة تذكير بأن القوات المسلحة السودانية لا تكتفي بالتقدم في ساحة المعركة بل تحشد الحلفاء أيضًا. فقد كانت قوتان من القوات المشاركة في الهجوم على كردفان عام 2023 إما محايدتين أو متحالفتين مع الدعم السريع؛ "القوات المشتركة" المتمردة سابقًا في دارفور بقيادة مني مناوي، و"قوات درع السودان" بقيادة الجنرال أبو عقلة كيكال، الذي انشق عام 2024 وارتكب جرائم حرب لصالح كلا الجانبين.

فعليًا، تعتبر القوات المسلحة السودانية على وشك تحقيق نصر عسكري وإن كان حدوثه هذا العام أو العام المقبل يعتمد على عدة عوامل. وإن كانت كيفية تحقيقها للنصر واضحة نسبيًا، فإن ستفعله بعد النصر ليس واضحًا تمامًا، لكن يمكننا استشراف بعض التوجهات العامة لشكل السودان بعد الحرب؛ حيث سيواجه المنتصرون بطبيعة الحال واقعًا مريرًا يتمثل في بلد مدمر وعملة واقتصاد ومؤسسات منهارة وشعب يعاني من صدمة نفسية عميقة. وقد واجه السودانيون كل هذا من قبل وأبدوا مرونة استثنائية لكن الضرر هذه المرة يفوق بكثير ما خلفته جميع الحروب السابقة.

ويحتاج السودان إلى المساعدة لإعادة الإعمار، والتي ستأتي بالطبع من أولئك الذين ساهموا في تحقيق النصر العسكري؛ تركيا وقطر والسعودية، لكنها لن تكون كافية بالنظر إلى حجم الدمار. وبدوره، سيرحب السودان بأي عروض مساعدة جادة أخرى، وقد يكون الاتحاد الأوروبي أكثر سخاءً من الولايات المتحدة بسبب مخاوفه من ازدياد ضغط الهجرة على حدوده.

إلى جانب إعادة الإعمار، سيحتاج نظام القوات المسلحة السودانية أيضًا إلى إرضاء جميع من ساهموا في تحقيق النصر داخل البلاد؛ فقد كان استمرار الحرب المستمرة مربحًا للغاية لبعض السودانيين! فهناك جماعات مسلحة عديدة يجب استرضاؤها، بينما لا تتوفر سوى موارد مالية وسلطوية محدودة للقيام بذلك. ومن جهتهم، سيلعب الإسلاميون في السودان دورًا محوريًا في الإدارة المدنية للبلاد، وستكون هذه مكافأتهم الرئيسية.

ومن المرجح أن يحصل متمردو دارفور بقيادة "ميناوي" وعرب دارفور المتناحرون على دارفور كمنصب شرف؛ حيث سيتقاسمون المناصب والموارد مع إبقائهم تحت رقابة مشددة. ويبقى السؤال مطروحًا؛ هل سيبقى ما يكفي، في وضع ما بعد الحرب، للجميع ليحصلوا على ما يرضيهم؟ ستحتاج قوة المتمردين السابقين (قوات الجنجويد سابقًا) لدعم من الخرطوم وداعميها الأجانب لحماية حدود دارفور على الأقل من فلول الدعم السريع التي تحولت إلى قطاع طرق.

إضافةً للمكافأة، سيسعى النظام الذي تهيمن عليه القوات المسلحة السودانية إلى العقاب أيضًا؛ فمن المتوقع أن تُهمّش الطبقة السياسية غير الإسلامية في السودان، بينما يُضطهد النشطاء المرتبطون بالإطاحة بنظام "البشير" عام 2019، كما حدث بالفعل. وبالتالي، فإن السيناريو السياسي الأرجح هو أن يعِد "البرهان" بالنظام والسلام، وأن يصبح رئيسًا منتخبًا فعليًا (من المؤكد فوزه)، وأن يحكم على طريقة "السيسي" في مصر.

إضافةً إلى الأعداء الداخليين، سيُغرَى النظام الجديد بمعاقبة الخصوم الخارجيين كنوع من الانتقام، وسيتجه إلى الخطاب العدائي حيال ما لا يستطيع فعل الكثير بشأنه؛ فلا يوجد الكثير (بل في الواقع لا يوجد شيء) يمكن للسودان فعله ضد الإمارات، رغم خوضه حربًا ضد قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، فنظام القوات المسلحة السودانية شريك تجاري للإمارات في صناعة الذهب. لكن حلفاء لقوات الدعم السريع، وهما تشاد وإثيوبيا، قد يكونان هدفين أقرب وأكثر إغراءً.

على الصعيد الخارجي، قد يكون إغراء تصفية الحسابات مع تشاد بقيادة "محمد ديبي" لا يُقاوم؛ ففي نهاية المطاف كانت الخرطوم هي التي ساعدت في تنصيب والد "ديبي" في السلطة في الدولة المجاورة قبل 36 عامًا، وسرعان ما انصرف ديبي الأب عن الخرطوم.

أما قرار السودان بالدخول في صراع مع إثيوبيا فقد يكون كارثيًا على جميع الأطراف المعنية، وهو أمر قد يرغب حلفاء القوات المسلحة السودانية في مصر وتركيا في رؤيته لكنه سيكون بالغ الخطورة على جميع الأطراف. فإذا كان هناك هدف سياسي واحد يمكن للولايات المتحدة التركيز عليه، فهو ضمان عدم اندلاع حرب بشكل مباشر أو غير مباشر بين السودان وإثيوبيا. فاحتمال انتقال العدوى العسكرية أو اتساع نطاق الصراع في القرن الأفريقي أشد وطأة مما حدث في حرب السودان نفسها. ولا شك أن انتصار القوات المسلحة السودانية سيكون مرغوبًا فيه بشدة في وقت قصير، إذا أتاح للشعب السوداني فرصة لالتقاط أنفاسه والتعافي، لكن مثل هذا الانتصار إن تحقق سيكون مليئًا بحقول الألغام الخاصة به.