الارتدادات السلبية لإغلاق مضيق هرمز على إيران

الساعة : 16:19
17 أغسطس 2026
الارتدادات السلبية لإغلاق مضيق هرمز على إيران

المصدر: أتلانتك كاونسل

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوقف عن التعامل مع مضيق هرمز باعتباره أزمة تتعين إدارتها، وتبدأ في التعامل معه باعتباره فرصة لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية بصورة دائمة. على مدى أسابيع استفادت إيران من افتراض استراتيجي أساسي مفاده أن مضيق هرمز مهم للغاية للاقتصاد العالمي؛ بحيث لا تستطيع الولايات المتحدة وشركاؤها تحمل تعطيله لفترة طويلة. فقد لا تكون طهران قادرة على هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، وفقًا لهذا المنطق، لكنها تستطيع إلحاق قدر كافٍ من الضرر الاقتصادي بواشنطن وحلفائها لإجبارهم على تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.

والآن يخضع هذا الافتراض للاختبار، إذ بدأت صحته تتلاشى بمرور الأيام؛ وهذا لا يعني عدم أهمية التداعيات الاقتصادية لاستمرار إيران في تسليح مضيق هرمز وتحويله لأداة حرب؛ فقد انخفضت مخزونات النفط بشكل حاد وما زالت المنتجات النفطية شحيحة، كما تتحمل الاقتصادات المستوردة للطاقة تكاليف كبيرة. لكن السؤال المتعلق بالاستراتيجية الأمريكية ليس إذا كان إغلاق مضيق هرمز مؤلمًا، فهو مؤلم بالفعل، بل السؤال هو: هل يمكن تحمل هذا الألم استراتيجيًا بدرجة أكبر من التنازلات التي تأمل طهران في انتزاعها مقابل إنهاء الإغلاق؟

وعلى خلاف النفوذ الذي تستمده إيران من برنامجها النووي، فإن نفوذها على الاقتصاد العالمي يتراجع كل يوم تُبقي فيه مضيق هرمز رهينة لديها. ففي مايو/ أيار 1998 أجرت الهند سلسلة من الاختبارات لأجهزة نووية، وتبعتها باكستان بعد أسابيع قليلة. وكانت الإدانة الدولية فورية ثم تلتها عقوبات، لكن الحقيقة الاستراتيجية الأساسية لم يكن من الممكن عكسها. فقد أثبت البلدان امتلاكهما قدرات على إنتاج الأسلحة النووية، وبعد نحو ثلاثة عقود ما زالت كلتاهما دولتين مسلحتين نوويًا.

وهذه هي الحقيقة المزعجة بشأن انتشار الأسلحة النووية؛ فبمجرد أن تطور دولة ما قدرتها لاستخدام الأسلحة النووية وتختبرها وتدمجها في منظومتها للأمن القومي، يصبح القضاء على هذه القدرة أكثر صعوبة بكثير.

لكن أسواق الطاقة تعمل بطريقة مختلفة؛ فهي تتكيف وكل يوم يظل فيه مضيق هرمز مغلقًا تتراجع أهميته. فعلى مدى نصف قرن كان هيكل أسواق الطاقة العالمية يتحرك تدريجيًا بعيدًا عن حالة التركّز التي ميزت صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي. ولعل أوضح مثال على ذلك هو ثورة النفط الصخري الأمريكية، التي حولت الولايات المتحدة من مستهلك للطاقة يعتمد بصورة متزايدة على الواردات إلى أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في العالم، لكن هذا التحول يتجاوز الولايات المتحدة بكثير.

فقد برزت البرازيل كمنتج رئيسي للنفط البحري كما توسع إنتاج النفط الكندي، بالتوازي مع الوصول لأسواق المحيط الهادئ. ولعل التغيير الأكثر دراماتيكية حدث في غيانا؛ حيث أدت الاكتشافات النفطية البحرية الكبيرة لظهور دولة جديدة منتجة للنفط في أقل من عقد من الزمن. ومنذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير/ شباط دخلت مئات الآلاف من براميل النفط الإضافية يوميًا إلى الأسواق من دول ليست أعضاء في منظمة "أوبك". ولا يقترب أي من ذلك من تعويض الكميات التي تعطلت بسبب الحرب، ولا ينبغي لواشنطن أن تتظاهر بغير ذلك.

لكنها لا تحتاج إلى ذلك؛ فالهدف الاستراتيجي ليس تعويض عشرة ملايين برميل بين عشية وضحاها، بل تقليل القيمة الهامشية للميزة الجغرافية التي تتمتع بها إيران بصورة مطردة. وهذه العملية جارية بالفعل؛ فقد انخفضت واردات الصين من النفط الخام إلى 8.1 مليون برميل يوميًا فقط خلال الربع الثاني من هذا العام، أي أقل بنسبة 32% من مستويات الربع الأول. وتعمل السعودية والإمارات على تعظيم الاستفادة من خطوط الأنابيب القائمة وتسريع إنشاء بنية تحتية جديدة تتجاوز مضيق هرمز، غربًا باتجاه البحر الأحمر وجنوب شرق باتجاه خليج عُمان.

في الوقت نفسه، قامت وكالة الطاقة الدولية والدول الشريكة بتفعيل مخزونات النفط الاستراتيجية للتخفيف من حدة الاضطراب. وبالاقتران مع تزايد الإنتاج من خارج "أوبك" تعمل هذه الإجراءات على حماية العالم من أسوأ الآثار الاقتصادية للأزمة. وكلما طال الوقت الذي تُظهر فيه طهران أن مضيق هرمز لا يمكن الاعتماد عليه، أصبح من الأسهل على وزارات المالية وشركات الطاقة والدول المستهلكة تبرير استثمارات كانت تبدو في السابق زائدة عن الحاجة أو غير اقتصادية.

ولننظر إلى الأماكن التي يحدث فيها ذلك بالفعل؛ ففي اليابان أدت الصدمة إلى "إعادة النظر في الافتراضات الراسخة منذ فترة طويلة بشأن أمن الطاقة"، والمتعلقة باعتماد البلاد على الوقود المستورد. وتستجيب أوروبا وفق المنطق نفسه مستغلةً الأزمة لتعزيز مبررات الدعوة لتوسيع نشر الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد. أما الولايات المتحدة فلديها فرصة أكبر من ذلك؛ حيث يمكنها استغلال هذه اللحظة لمواصلة تحرير إمكانات إنتاج الطاقة الأمريكية في مجالات النفط والغاز الطبيعي والطاقة النووية والتكنولوجيات الناشئة، مع مساعدة حلفائها على إنشاء البنية التحتية اللازمة لتنويع مصادر الإمداد.

وبينما يستطيع العالم تنويع مصادره بعيدًا عن مضيق هرمز، لا تملك إيران بديلًا حقيقيًا، لا سيما إذا حافظ الرئيس الأمريكي "ترامب" على الحصار المفروض على صادرات النفط الإيرانية. فكل برميل يُنتج في مكان آخر وكل خط أنابيب يُنشأ لتجنب مضيق هرمز وكل مخزون استراتيجي يتم توسيعه وكل وحدة من الطلب على النفط يجري الاستغناء عنها، تمثل انخفاضًا صغيرًا في القوة القسرية التي ستتمتع بها طهران مستقبلًا.

لهذا السبب لا تحتاج إدارة "ترامب" إلى الإسراع في تقديم تنازلات في المفاوضات مع طهران؛ فنفوذ إيران على المضيق يمكن تقليصه، أما امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية قابلة للاستمرار فلا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها. وإن كانت صدمة الطاقة حقيقية، وإن كان المستهلكون سيدفعون أسعارًا أعلى مقابل الطاقة، وسيتصاعد الضغط السياسي، لكن من المهم أن تغتنم واشنطن الفرصة التي تتيحها هذه الأزمة لتوجيه عملية التحول الجارية بالفعل.

فمن خلال العمل مع الحلفاء والشركاء لتنويع الإمدادات، وبناء بدائل حول نقاط الاختناق المعرضة للخطر، وتوسيع إنتاج الطاقة الأمريكي، يمكن للولايات المتحدة أن تعمل بصورة مطردة على تقويض النفوذ الاقتصادي الإيراني، وزيادة الضغط على طهران للتخلي عن طموحاتها النووية، وتعزيز مكانة الولايات المتحدة بوصفها قوة عالمية كبرى في مجال الطاقة. وينبغي ألا يكون الهدف مجرد إعادة فتح مضيق هرمز، بل إنشاء نظام للطاقة يصبح فيه إغلاق المضيق أقل أهمية بكثير.