المصدر: أتلانتك كاونسل
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
في حوار أُجري معه مؤخرًا بسنغافورة تحدث وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، عن "أهم منطقة في العالم"؛ وللمفارقة لم يكن يتحدث عن الشرق الأوسط بل عن المحيط الهادئ، وبذلك أعاد إحياء نقاش طويل حول إمكانية "تحويل" الولايات المتحدة اهتمامها بعيدًا عن الشرق الأوسط تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن المعروف أن دور الولايات المتحدة في العالم أكثر تعقيدًا من مجرد التركيز على منطقة دون أخرى، لذلك، وعلى خلفية هذا الحوار، قدم ثلاثة من كبار خبراء "أتلانتك كاونسل" تقييمًا لمسار الأمور من الآن فصاعدًا، وكيف ينبغي للولايات المتحدة أن تُحدد موقعها في العالم بعد الحرب مع إيران.
في الجزء الأول من هذه السلسلة يتناول نائب الرئيس لشؤون الجغرافيا الاستراتيجية، ماثيو كرونيغ، الاستراتيجية الكبرى التي ينبغي على الولايات المتحدة اتباعها، والتي تتمثل في: "لا تُغيّروا استراتيجيتكم الآن":
الاستراتيجية الكبرى: "لا تُغيّروا استراتيجيتكم الآن"
على عكس من يزعمون أن الولايات المتحدة تستطيع، بل ويجب عليها، أن تُحوّل تركيزها نحو آسيا، يُظهر هذا الصراع أن الشرق الأوسط سيظل على الأرجح مسرحًا مهمًا للاستراتيجية الأمريكية الكبرى لسنوات قادمة؛ فمنذ الحرب العالمية الثانية أعطت واشنطن الأولوية لثلاثة مسارح في استراتيجيتها الكبرى ووضعها العسكري؛ أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. واعتبر الاستراتيجيون الأمريكيون هذه المناطق الثلاث الأكثر كثافةً بالثروة والمخاطر، والتي يُعد أمنها واستقرارها أمرًا بالغ الأهمية لرفاهية المواطن الأمريكي العادي.
رغم ذلك، جادل بعض الاستراتيجيين في السنوات الأخيرة بأن الولايات المتحدة تُركّز بشكل مفرط على أوروبا والشرق الأوسط، وأنه ينبغي عليها "التحوّل نحو آسيا" بدلًا من ذلك؛ حيث يرى من يُطلق عليهم "أصحاب الأولويات" أن على واشنطن التركيز على آسيا، المنطقة الأسرع نموًا والأكثر ديناميكية، والسماح للحلفاء الأكفاء في أوروبا والشرق الأوسط بتولي زمام الأمور وفرض الأمن في مناطقهم. ويزعم هؤلاء أيضًا أن هيمنة الولايات المتحدة على الطاقة تجعلها أقل اعتمادًا على طاقة الشرق الأوسط مما كانت عليه في الماضي، ويؤكدون أنه رغم أن امتلاك إيران لسلاح نووي سيشكل مشكلة لكنها مشكلة قابلة للاحتواء، وأن إعداد جيش لردع أي غزو صيني لتايوان وهزيمته عند الضرورة مهمة أكثر صعوبة وأهمية.
وقد تشكك عملية "الغضب الملحمي" في العديد من هذه الافتراضات؛ فبينما قد يجادل بعض الاستراتيجيين بإمكانية احتواء إيران النووية، فدائمًا ما عارض القادة المنتخبون للولايات المتحدة هذا الرأي، من "بوش" الابن إلى "ترامب" الذي أكد مرارًا على ضرورة العمل العسكري لضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. وإن كان استقلال الطاقة يوفر فوائد جمة لكنه لا يحمي الاقتصاد الأمريكي من اضطرابات إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط؛ فسوق الطاقة عالمي وأي انقطاع في الإمدادات في أي مكان يؤدي لارتفاع حاد في الأسعار في الولايات المتحدة. وهذا ما نشهده اليوم؛ حيث يدفع الأمريكيون ما يقارب 4.50 دولارًا في المتوسط للغالون الواحد من البنزين العادي الخالي من الرصاص.
علاوة على ذلك، فرغم القدرات العالية لحلفاء الولايات المتحدة وشركائها، مثل "إسرائيل"، فهم لا يُمثلون بديلًا كاملًا للولايات المتحدة؛ فعندما حانت اللحظة الحاسمة كان البنتاغون وحده يمتلك القدرات اللازمة لتدمير المنشآت النووية الإيرانية المدفونة في أعماق الأرض، وإلحاق ضرر بالغ بجيشها التقليدي.
ويأمل البعض أن تُنهي عملية "الغضب الملحمي" أزمة الشرق الأوسط نهائيًا، ما يسمح للولايات المتحدة بإعطاء الأولوية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في استراتيجيتها. بل ما زال من الممكن سقوط الجمهورية الإسلامية، ما يؤدي لوصول حكومة موالية للغرب إلى السلطة تكون أكثر تعاونًا دوليًا وأكثر احترامًا لحقوق الإنسان، وسيكون هذا تطورًا مرحبًا به ومُغيّرًا للمنطقة.
ولمواجهة هذه التحديات بنجاح ستحتاج واشنطن وحلفاؤها لبذل مزيد من الجهود:
أولًا: ستحتاج واشنطن لزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير، وتنشيط قاعدتها الصناعية الدفاعية، ويمكن القول إن ميزانية الدفاع التي طلبها ترامب (1.5 تريليون دولار) تعتبر مناسبة تمامًا.
ثانيًا: ستحتاج واشنطن لقيادة حلفائها في تعزيز مساهماتهم في الدفاعات في المناطق الثلاث، ولن ينجح هذا إلا بقيادة أمريكية فاعلة.