الحدث:
أعلنت مجموعة تضم نحو 280 مقاتلًا على متن 30 آلية قتالية بكامل عتادها انشقاقها عن قوات الدعم السريع، بعد مشاركتها في معارك ولايات كردفان، ثم انتقلت سرًّا عبر إقليم دارفور وصولًا إلى العاصمة الخرطوم، حيث انضمت إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، في واحدة من أكبر حالات الانشقاق الجماعي المعلنة خلال الأشهر الأخيرة. وبحسب التقارير، سلّمت المجموعة نفسها للقوات المسلحة في مدينة أم درمان يوم 21 يوليو 2026، في ترتيب سرّي سهّل خروج المنشقين من جبهات القتال، على أن يُعاد دمجهم في الجيش بعد إيداعهم معسكرات جديدة.
الرأي:
لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن سياقه التراكمي؛ فالانشقاق الأخير يأتي تتويجًا لموجة متصاعدة بدأت منذ أشهر، كان أبرزها انشقاق القيادي ضيف الله آدم في محور النيل الأزرق، وفارس النور إبراهيم في يونيو، وبشارة الهويرة مسؤول عمليات محور بارا في مايو 2026، إضافة إلى وصول القيادي النور آدم "النور قبة" إلى مناطق سيطرة الجيش في أبريل على رأس قوة تضم أكثر من 40 عربة قتالية. هذا التواتر يشير إلى أن الظاهرة تجاوزت طور الحالات الفردية لتصبح مسارًا بنيويًا يعكس أزمة تماسك داخل قوات الدعم السريع.
على مستوى الدوافع، يبدو أن الجيش يوظّف الانشقاقات كأداة استنزاف معنوي ولوجستي موازية للعمل العسكري المباشر، إذ تصف المصادرُ العمليةَ بأنها جهد يقوده الجيش لإضعاف الدعم السريع، مدعومًا بخطاب سياسي أطلقه البرهان في مايو حين رحّب بأي مقاتل يضع السلاح ويعود إلى الوطن. في المقابل، فإن تبرير المنشقين خطوتهم بـ"العنصرية وغياب القضية" يكشف هشاشة الرابط الأيديولوجي داخل "الدعم السريع"، ويرجّح استمرار النزيف كلما تراجعت مكاسبها الميدانية.
أما الدلالة الاستراتيجية الأبعد، فتكمن في أن خروج قوة مسلّحة بكامل عتادها من عمق دارفور وعبورها إلى الخرطوم يشير إلى اختلال متزايد في قدرة "الدعم السريع" على ضبط خطوط إمدادها ومناطق نفوذها التقليدية، في وقت يكثّف فيه الجيش عملياته الجوية على محاور شمال كردفان، وتتسع رقعة المواجهات لتشمل الرهد وأجزاء من جنوب كردفان وشمال دارفور والنيل الأزرق. بموازاة ذلك، يعزز هذا التزامن احتمال أن تتحول كردفان إلى ساحة الترجيح الرئيسة في الأجل القريب.
سياسيًا، من شأن تسارع الانشقاقات أن يُضعف الموقع التفاوضي للدعم السريع في أي مسار وساطة، خاصة في ظل الحديث عن هدنة مقترحة لثلاثة أشهر أعلنت القوات موافقتها عليها مع رفض الانسحاب من مواقعها؛ إذ يمنح التآكل الداخلي الجيشَ حافزًا لرفع سقف شروطه والرهان على الحسم أو الاستسلام بدل التسوية المتكافئة.
وعليه، من المرجّح أن تتواصل موجة الانشقاقات خلال الأسابيع المقبلة، وأن يوظّفها الجيش دعائيًا وميدانيًا لتسريع تفكيك محاور "الدعم السريع" في كردفان، من دون أن يعني ذلك نهاية قريبة للحرب؛ فقدرة القوات على المناورة في دارفور لا تزال قائمة، ويظل السيناريو الأرجح مزيدًا من الاستنزاف المتبادل مع ميل تدريجي في موازين القوى لصالح الجيش.