مرصد التنبؤات الغربية 30 يناير 2024

الساعة : 15:47
30 يناير 2024
مرصد التنبؤات الغربية 30 يناير 2024
الغارات الأمريكية على اليمن قد تدفع الحوثيين للرد عبر ضرب أصول عسكرية غربية في جيبوتي

أفادت تقارير غير مؤكدة بأن الحوثيين يعملون على جمع معلومات حول معسكر ليمونيير في جيبوتي استعداداً لاحتمال مهاجمته. ومع ذلك يرى "إس آند ݒي جلوبال ماركيت إنتيليجنس" أنه من غير المرجح بشكل عام أن يُقدِم الحوثيون على تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة أو هجوم صاروخي باليستي على معسكر ليمونيير، والذي يُعتبر تهديدًا كبيرًا قد يشكّل أضرارًا بمطار جيبوتي أمبولي الدولي "JIB" المجاور، أو أي أهداف أخرى كالسفارة الأمريكية أو سفن راسية في جيبوتي، على سبيل المثال. ومع ذلك، فإن تهديدات الحوثيين بالانتقام قد تزيد من احتمال تنفيذ مثل هذه الهجمات، في ظل ترجيح أن تستمر الهجمات ضد سفن الشحن الدولي في مياه جيبوتي.

رغم ذلك، يظل احتمال تنفيذ تلك الهجمات ضعيفًا بسبب وجود قاعدة عسكرية صينية في تلك المنطقة، (حوالي 7كلم شمال غرب معسكر ليمونيير)، وميناء "دوراليه" المجاور الذي تديره الصين، في ظل تمتع الصين بعلاقة وطيدة مع الداعم العسكري الرئيسي للحوثيين (إيران) وعدم مشاركتها عسكريًا ضدهم حتى الآن، إضافةً إلى ابتعاد حكومة جيبوتي عن إدانة الحوثيين علنًا أو الانضمام إلى العمليات العسكرية ضدهم. لكن احتمال قيام الحوثيين بهجمات كهذه في جيبوتي قد يزداد، إذا أُخذ في الاعتبار ادعاء الحوثيين سقوط عدد كبير من الضحايا العسكريين والمدنيين نتيجة أي ضربات أمريكية مستقبلية، أو من خلال تصريحات قيادة الحوثيين بإدانة جيبوتي لاستضافتها قوات أمريكية.

على جانب آخر، تعتقد مصادر عديدة أن هجوم الحوثيين على جيبوتي، والذي سيضر حتمًا بصورة أمن ميناء جيبوتي التجاري دوليًا وهو عصب اقتصادها، سيزيد من احتمال وقوع محاولة انقلاب ضد الرئيس الجيبوتي، إسماعيل عمر جيله.

إس آند ݒي جلوبال ماركيت إنتيليجنس

التوترات في البحر الأحمر ستزعزع اقتصادات أوروبا وأسواقها ولكن تأثيرها سينحصر في المدى القصير

لا شك أن استمرار التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر يتسبب في اضطرابات كبيرة في طرق التجارة، وهو ما يُتوقع أن يزيد من المخاطر السلبية على توقعات النمو الاقتصادي للعديد من الأسواق الأوروبية. كما إن سلاسل التوريد المترابطة داخل القارة وخارجها ستزيد من احتمال توسع التأثير على الإنتاج الصناعي الأوروبي والاستهلاك، نتيجة اضطرابات الشحن عبر البحر الأحمر وقناة السويس. إضافةً لذلك، فإن اقتصادات أوروبا معرضة لانقطاع تجارة الطاقة عبر المضيق، ما قد يؤدي لنقص الإمدادات وتقلب الأسعار. كما إن التراجع التجاري مع الاقتصادات الآسيوية، خصوصًا في ظل التبعيات المعقدة لسلسلة التوريد، يشكل خطرًا كبيرًا.

في ظل هذه المعطيات، يُعتقد أن تستمر هجمات الحوثيين في البحر الأحمر على المدى القريب، رغم أنها لا تزال على نطاق ضيق نسبيًا، لكنها أدت إلى ارتفاع تكاليف تأمين نقل البضائع وتسببت أيضًا في تحويل التجارة بشكل مباشر من بعض شركات الشحن الكبرى، بما فيها "ميرسك" و"إم إس سي" و"هاباغ لويد". ومع ذلك، فإن استمرار الهجمات على البحر الأحمر سيتوقف غالبًا على طول أمد الحرب في غزة؛ حيث إن الهدف منها هو تصعيد الضغوط الدولية على "إسرائيل"، وبالتالي فمن المتوقع أن يقتصر التأثير الاقتصادي لتلك الهجمات على المدى القصير.

وبالنظر إلى هذا الوضع، فيمكن القول إن المخاطر الاقتصادية التي تواجه أوروبا والناجمة عن التوترات في البحر الأحمر، ستظهر في المقام الأول من خلال ضغوط التضخم وتعطل سلاسل التوريد. وسيعتمد مدى ذلك التأثير إلى حد كبير على أمد الأعمال العدائية الحالية في البحر الأحمر، وإذا تم التوصل لحل الأزمة بسرعة فقد تظل التداعيات الاقتصادية تحت السيطرة.

من ناحية أخرى، ونتيجةً للتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، فقد يواجه المستهلكون الأوروبيون تكاليف أعلى للسلع المستوردة من آسيا، بسبب الاضطرابات في طرق الشحن والزيادات المحتملة في أقساط التأمين للعبور عبر مناطق التوتر. إضافةً لذلك، فقد ترتفع أسعار الواردات بسبب اضطرابات سلاسل التوريد، ما سيؤدي لزيادة تكاليف الإنتاج في ظل الزيادة الحادة في أسعار الشحن؛ حيث أعلنت بعض شركات النقل عن ارتفاع الرسوم الإضافية من 500 إلى 2700 دولار لكل حاوية. وسيرتفع هذا مع ارتفاع تكاليف التأمين على عبور البحر الأحمر، وهو ما سيدفع بدوره وسائل الشحن لإعادة توجيه مسارها حول أفريقيا بدلًا من المرور عبر قناة السويس. ومع ارتفاع مخاطر الصراع، سيكون هذا أكثر أهمية بالنسبة للسفن الأكثر تكلفة، مثل ناقلات الغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال، وفي نهاية المطاف ناقلات النفط وناقلات البضائع منخفضة التكلفة.

فيتش سوليوشنز

النظام الإيراني سيستغل حرب غزة لتعزيز نفوذه إقليميًا ولإحكام قبضته على السلطة داخليًا

رغم أن إيران تريد تجنب إضفاء الطابع الإقليمي على الحرب بين "إسرائيل" و"حماس"، لكنها ستستمر في دعم مجموعات "محور المقاومة" للضغط على كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة، لوقف الحرب في غزة والحفاظ على توازن القوى في المنطقة. وفي هذا الإطار، ستحاول إيران استغلال تلك الحرب كفرصة لتقليص نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن الهجمات التي تشنها الجماعات المدعومة إيرانيًا على القواعد الأمريكية في العراق وسوريا تتماشى مع هذا الهدف. فالعمليات الأمريكية في سوريا تعتمد بشكل كبير على وجود القوات الأمريكية في العراق، ومن المتوقع أن تركز إيران على تعزيز الجماعات التي تتماشى مع أيديولوجيتها في العراق لجعلها أكثر أهمية.

بالمثل، ستستمر إيران على الأغلب في دعم الحوثيين في اليمن؛ لأن هجماتهم على خطوط الشحن البحرية ستؤدي لاستنزاف الموارد الأمريكية في المنطقة. ورغم أن الولايات المتحدة لا يُتوقع أن تقلص من وجودها العسكري في الشرق الأوسط في المدى القريب، لكن إيران ستضمن أن وجودها ومحاولاتها لترسيخ نفوذها سوف يكون أكثر كلفة. ورغم التوقع بأن تظل التوترات بين إيران والولايات المتحدة مرتفعة، لكن الولايات المتحدة على الأرجح لن تشدد موقفها تجاه إيران، في محاولة منها لكبح مخاطر إضفاء الطابع الإقليمي على الحرب في الشرق الأوسط. فلم تمنع الولايات المتحدة إيران رسميًا من الحصول على الستة مليارات دولار، كجزء من صفقة تبادل الأسرى التي تم التوصل إليها قبل اندلاع الحرب. كما لا يُرجح أن تعود الولايات المتحدة إلى التدقيق في صادرات النفط الإيرانية الخاضعة للعقوبات الأمريكية والغربية.

أما على الصعيد الداخلي، فسوف يستخدم النظام الإيراني الحرب بين "إسرائيل" و"حماس" لتعزيز قبضته على السلطة وزيادة دعم المتشددين، والحد من المخاطر التي تهدد الاستقرار الاجتماعي وعدم ترك مجال كبير للتغيير السياسي والاحتجاجات التي تخرج في البلاد. ومع تمكن النظام من كبح الاحتجاجات التي خرجت بعد مقتل الشابة "مهسا أميني" بشكل كبير بحلول الربع الأول من عام 2023، يُعتقد أنه سيستفيد أيضًا من الحرب الحالية لإعادة تركيز الاهتمام على أهداف إيران الأيديولوجية وأمنها الداخلي، كما يُعتقد أن يستفيد المسؤولون الإيرانيون في خطاباتهم العلنية من المشاعر المعادية للولايات المتحدة لتعزيز نفوذ النظام. وعلى نحو مماثل، سيستخدم المسؤولون الإيرانيون الهجوم الإرهابي الأخير على ضريح السليمانية في الثالث من كانون الثاني/ يناير، والذي اتهموا "إسرائيل" بارتكابه، لإعادة تركيز الاهتمام على الأمن الداخلي بعيدًا عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية في المدى القصير على الأقل. لكن طالما ظلت الظروف الاقتصادية صعبة واستمرت القيود المفروضة على الحريات فإن مخاطر الاحتجاجات ستظل موجودة.

وفي ظل تضاؤل حركة الاحتجاج وابتعاد الاهتمام الداخلي إلى حد ما عن الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، ستخفت معارضة النظام التي قد يواجهها في انتخابات آذار/ مارس 2024. وسيضمن النظام رقابة مشددة على نتائج الانتخابات نظرًا لعمر المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي (84 عامًا)، وهذا يعني أن الهيئة الحالية، التي تبلغ مدة ولايتها ثمان سنوات، قد تضطر لاختيار خلف لها. وقد استبعد النظام عددًا كبيرًا من الإصلاحيين من خوض الانتخابات، ما مهد الطريق لفوز المحافظين وعزز قبضته على السلطة. وإن كان من المتوقع أن يؤدي الاستياء الشعبي واسع النطاق لانخفاض نسبة الإقبال على الانتخابات، فإن هذا على الأرجح لن يمثل تحديًا كبيرًا للنظام لناحية إحكام قبضته على السلطة.

فيتش سوليوشنز

الضربات الباكستانية داخل إيران تهدف للردع والدعم المحلي قبيل الانتخابات ولا تحمل خطر التصعيد

كان القصد من رد باكستان بضربات جوية هو ردع الدول المجاورة عن القيام بأي عمل عسكري أحادي الجانب، كما أرسل إشارة في الوقت ذاته إلى جمهورها المحلي قبيل الانتخابات الفيدرالية والمحلية المقرر إجراؤها في الثامن من شباط/ فبراير القادم، رغم احتمال تأجيلها. ومن المرجح أن تكون القيادة العسكرية رأت أن عدم وجود رد قوي قد أدى إلى تفاقم التصورات السلبية العامة عن الجيش، وتعزيز الدعم لزعيم المعارضة "عمران خان" المسجون حاليًا بتهم الفساد التي ينفيها. إن شهية الجيش الباكستاني لمزيد من التصعيد على طول الحدود مع إيران منخفضة، وذلك نظرًا لمحدودية الموارد قبل الانتخابات المقبلة، وتدهور البيئة الأمنية في أماكن أخرى في بلوشستان وفي مقاطعة خيبر باختونخوا المجاورة.

وبالتالي، فإن العمل المنسق من قبل إيران وباكستان، والذي يستهدف المسلحين عبر الحدود، ربما يشير إلى تراجع التصعيد، ومن المرجح أن تؤدي العمليات العسكرية الموسعة ضد المسلحين في بلوشستان، أو التصعيد العسكري مع إيران (رغم أنه غير مرجح)، إلى زيادة نفوذ الجيش على السياسات المدنية في ظل الحكومة المؤقتة.

إس آند ݒي جلوبال ماركيت إنتيليجنس

"حميدتي" سيروّج لنفسه خارجيًا كحاكم مستقبلي للسودان بعد سيطرة قواته على العاصمة ومدن أخرى

أنهى قائد قوات الدعم السريع السودانية، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، في الخامس من كانون الثاني/ يناير الجاري، سلسلة زيارات إلى ست دول أفريقية منذ كانون الأول/ ديسمبر 2023، هي رواندا وأوغندا وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا وجنوب أفريقيا. ومن المرجح أن يسعى "حميدتي"، من خلال زياراته الإقليمية، للحصول على دعم سياسي دولي تحسبًا لهزيمة القوات المسلحة السودانية؛ فقد تعثرت جهود الوساطة إلى حد كبير، ولا يبدو أن أيًّا من الطرفين يرغب في التسوية عن طريق التفاوض. ونظرًا لثقته في الحملات العسكرية الناجحة التي قامت بها قوات الدعم السريع مؤخرًا، يُرجح أن يستعد "حميدتي" الآن لمرحلة انتقالية بعد الحرب؛ حيث يقدم نفسه كشخصية ذات مصداقية، كما يتضح من اجتماعاته الرسمية محليًا وإقليميًا في أفريقيا.

ومن المتوقع أيضًا أن يؤدي تعزيز "حميدتي" لعلاقاته الدولية والاعتراف به إلى تشجيع طموحه السياسي في حكم السودان، والذي تحقق بالفعل بفضل التفوق العسكري لقوات الدعم السريع؛ فمنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، سيطرت قواته على ثلاثة أرباع العاصمة الخرطوم، وأربعة من ولايات دارفور الخمس، كما يوجد تقسيم فعلي للبلاد.

وقد أصبح "حميدتي" الآن أكثر جرأة في سعيه للسيطرة الكاملة على البلاد؛ فمنذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي حققت قوات الدعم السريع مكاسب كبيرة على الأرض، لا سيما الاستيلاء على "ود مدني"، ثاني أكبر مدينة في السودان، دون مقاومة كبيرة من القوات المسلحة السودانية، وفقًا لمصادر محلية موثوقة. كما تمكنت تلك القوات من السيطرة على ولايات دارفور الأربع في غضون أسبوعين، وعلى "ود مدني" في غضون 48 ساعة. وحتى مع التفوق الجوي للقوات المسلحة السودانية، فإن قوات الدعم السريع لديها قوات أكثر فعالية، لا سيما المشاة، ما مكنها من تحقيق تلك المكاسب السريعة.

من جهة أخرى، من المرجح أن يشجع الزخم السياسي من قبل "حميدتي" في الخارج على شن هجمات جديدة، على سنار والنيل الأبيض في الأسابيع المقبلة. كما يُتوقع أن تركز قوات الدعم السريع على طريقين رئيسيين من الخرطوم؛ إلى الجنوب الشرقي والشمال الشرقي، بما في ذلك عطبرة وشندي وجندولا وحلفا، وهو ما يؤدي في النهاية إلى شرق السودان. كما يُرجح أن تكون بورتسودان الهدف الرئيسي لتقدم تلك القوات إلى جانب الحفاظ على السيطرة على الخرطوم، ما يزيد من مخاطر الأضرار الجانبية.

ونظرًا للخسائر الإقليمية في الخرطوم، فقد أصبحت بورتسودان العاصمة الفعلية للبلاد؛ حيث تستضيف معظم الوزارات الحكومية والمنظمات الدولية، وأصبحت مركزًا لشحنات المساعدات وإجلاء أي مواطنين أجانب. إضافةً لذلك ونظرًا لأهمية شرق السودان التجارية؛ حيث يتعامل مع 90% من التجارة الخارجية للسودان، فمن المرجح جدًا أن تشن قوات الدعم السريع هجومًا عليه بحلول حزيران/ يونيو، عندما ينتهي موسم الجفاف. وستكون السيطرة على بورتسودان مهمة بالنسبة للداعمين الأجانب الرئيسيين لقوات الدعم السريع، وعلى رأسها الإمارات، التي ستكون حريصة بشدة على الوصول إلى البحر الأحمر من خلال حليفها السوداني. وإن كانت قوات الدعم السريع ستحرص على إبقاء ميناء بورتسودان جاهزًا للعمل بعد الاستيلاء عليه، لكن القتال المتوقع مع القوات المسلحة السودانية باستخدام الأسلحة الثقيلة قد يمثّل خطرًا شديدًا عن طريق حدوث أضرار هيكلية للبنية التحتية للميناء والسفن المتواجدة به.

إس آند ݒي جلوبال ماركيت إنتيليجنس

خطر التصعيد العسكري بين أمريكا وأذرع إيران بالمنطقة سيظل مرتفعًا طالما استمرت الحرب في غزة

ستستمر مخاطر تصاعد القتال بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"من جهة وبين الجماعات المسلحة المدعومة من إيران من جهة أخرى؛ بسبب تزايد خطر الحسابات العسكرية الخاطئة في ظل استمرار الحرب بين "إسرائيل" و"حماس". ويمكن توقع هذا السيناريو بنسبة تصل إلى حوالي 60%، كما يُتوقع أن الحرب بين "إسرائيل" و"حماس" لن تتوسع إلى مواجهة على جبهات أخرى؛ حيث إن الضغوط الدولية والداخلية لإعادة الرهائن الباقين في غزة، إضافةً إلى تصاعد كلفة الحرب على الاقتصاد "الإسرائيلي"، ستدفعان "إسرائيل" إلى تخفيف حدة الصراع قريبًا، والضغط للتوصل إلى تسوية، وإنهاء الحرب وإطلاق سراح الرهائن، رغم أن احتمال التصعيد لا يزال كبيرًا (بنسبة حوالي 40%).

فمع استمرار القتال في غزة، قام الجيش "الإسرائيلي" بالفعل بسحب خمسة ألوية من القطاع (17 لواءً ما زالت نشطة في القطاع) منذ بداية العام، وهي خطوة تعزز وجهة النظر التي ترى أن وطأة الحرب ستتراجع ببطء خلال الشهر القادم. ولا شك أن هذا التحول نحو قتال أقل كثافة جاء نتيجةً للضغوط الدولية المتزايدة، والخلاف المتزايد بين "إسرائيل" وحليفتها الأقرب (الولايات المتحدة) فيما يتعلق بسير الحرب وارتفاع عدد القتلى المدنيين. كما إن الرئيس الأمريكي "بايدن" سيعمل على ضمان تراجع القتال على الجبهات الأخرى بشكل كبير، قبل الانتخابات الرئاسية التي ستُعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

علاوةً على ذلك، فإن الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد "إسرائيل" في محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية، لن تؤدي إلا إلى تكثيف الضغوط الدولية التي تدعو لوقف إطلاق النار. لكن لا يُتوقع أي عواقب فورية للحرب في غزة في حال توجيه محكمة العدل الدولية لائحة اتهام ضد "إسرائيل"، لأن المحكمة لا تملك القدرة على إجبار "إسرائيل" على وقف حربها. ومع ذلك، فإن الاتهامات الموجهة ضد "إسرائيل" يمكن أن تعمل على إضفاء الشرعية على العمل الدبلوماسي ضدها من قبل بعض الدول، سواءً كان ذلك تخفيض العلاقات الدبلوماسية، أو الدعوة إلى المقاطعة أو حتى فرض العقوبات.

فيتش سوليوشنز

"إسرائيل" ستتبنى استراتيجية التصعيد ضد "حزب الله" لنيل أكبر المكاسب دون دخول حرب شاملة

تتلخص الاستراتيجية العسكرية "الإسرائيلية" الحالية في استخدام التصعيد المستهدف للضغط على "حزب الله"، لحمله على الانسحاب بعيدًا عن الحدود. وتعتمد هذه الاستراتيجية على التصعيد المستمر للهجمات المستهدفة ضد قادة "الحزب" العسكريين واغتيال قادة "حماس" في عمق لبنان، كنوع من التهديد الوجودي لقادته وإقناعهم بقبول مواقع أضعف على الحدود مع "إسرائيل، دون أن تقوم الأخيرة بعمليات برية كبرى. وما يميز هذه الاستراتيجية أنها تتطلب موارد عسكرية "إسرائيلية" أقل وتسمح بنشر قوات احتياطية فقط على الحدود الشمالية، بينما تواصل الوحدات القتالية الرئيسية عملياتها في الخطوط الأمامية في قطاع غزة.

لكن إذا فشلت هذه الاستراتيجية في إنشاء منطقة عازلة قابلة للحياة، فمن المرجح أن تصعّد "إسرائيل" هجماتها الأكبر على البنية التحتية العسكرية لـ"حزب الله" لزيادة الضغط عليه، بما في ذلك استخدام غارات برية متواصلة وضربات أعمق وراء المنطقة الحدودية الجنوبية. ومن المرجح أيضًا أن يشمل سيناريو التصعيد هذا مزيدًا من المدفعية والدبابات والقوة الجوية ضد مواقع "الحزب" الحصينة، مع احتمال شن غارات محدودة قصيرة المدى من قبل قوات العمليات الخاصة، لكن ذلك لن يصل إلى تحشيد قوات داخل الأراضي اللبنانية.

وسيكون الهدف من هذا التصعيد مرة أخرى هو إرسال رسائل إلى "حزب الله" ولبنان بأن "إسرائيل" مستعدة لعمليات توغل برية كبيرة، قد تؤدي لإشعال حرب واسعة النطاق. ويمكن أن تبدأ هذه الحملة حتى قبل أن ينهي الجيش "الإسرائيلي" عملياته في غزة وتعود الوحدات القتالية على الخطوط الأمامية إلى الشمال؛ حيث ستعتمد على القوات الجوية وألوية الاحتياط المنتشرة بالفعل في المنطقة. لكن بالمقابل، سوف تتسبب هذه الاستراتيجية على الأرجح في مقتل كثير من المسلحين والمدنيين، وهو ما سيحفّز المسلحين مرة أخرى على تصعيد عملياتهم الانتقامية ضد "إسرائيل"؛ حيث سيسعى "حزب الله" لإظهار قدرته على الصمود في وجه مثل هذا الهجوم وتعزيز شرعيته كمدافع عن لبنان.

وفي حالة فشل هذه الهجمات الواسعة، فستلجأ "إسرائيل" إلى التوغلات البرية جنوب لبنان، لمحاولة نزع السيطرة على الأرض من المسلحين، وللإشارة إلى أنها قد تصعّد إلى غزو واسع النطاق. وإن كانت المعطيات على الأرض تشير إلى أن "إسرائيل" مقيدة في اختيار القيام بغزو واسع النطاق، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن احتلال غزة يستنزف مواردها، لذلك فإنها ليست حريصة على التوغل في أراضي لبنان والاحتفاظ بها بشكل دائم، كما فعلت في الفترة من عام 1982 إلى عام 2000. لكن "إسرائيل" قد تعطي بعض الإشارات على أن مثل هذا الخيار موجود، من خلال تنفيذ عمليات توغل برية محدودة بكتائب كاملة جنوب لبنان، وبألوية الخطوط الأمامية التي ستكون قادرة على ذلك، للاستيلاء على المنطقة والاحتفاظ بها مؤقتًا.

كما إن لدى "إسرائيل" خيار تكرار غزو واسع النطاق بمجرد انتهاء العمليات القتالية في غزة، رغم أن ذلك سيؤدي على الأرجح لانتقام إيراني مباشر ضد "إسرائيل" نفسها، ما يجعل هذا الخيار غير مرجح. لكن "إسرائيل" قد تنظر فيه فقط إذا حصلت على دعم دبلوماسي كامل من الولايات المتحدة، وأكملت أهدافها العسكرية الرئيسية في غزة، وأصبح لديها وحدة سياسية داخليًا ودعم للعملية، وفي الوقع نفسه إذا صعّد "حزب الله" مستوى الهجمات إلى حد معين، مثل شن ضربات على مدن "إسرائيلية" يجعل من المستحيل تجاهل تهديدها.

ستراتفور